زينب فواز العاملي
33
معجم أعلام النساء ( الدر المنثور في طبقات ربات الخدور )
بقليل قالت : إني لما تعرفت به أعجبني خلقه وعقله وقلت : إنه قد انفرد بهما كما انفرد بنصراته ، وأنه رجل معتدل الطباع من أهل الجدّ والوقار بعكس زعماء الثورة ذوي الطباع الصعبة الذين كانوا يحكمون قبله ، ولكن لما هدأ الجأش من إعجابي به وعدت إلى نفسي شعرت بنفور عظيم منه لما وجدته فيه ، فإنه كالسيف البارد الماضي يجمد جمودا على حين يجرح جرحا وعلمت أنه يحتقر الأمة التي يريد أن يملك عليها ، وجاهرت بمعاندته فكنت ترى قاعتها غاصة بجماهير النافرين من بونابارت الناقمين عليه ، فأوجس بونابارت خيفة منها ، وحاول أن يرشوها بالمال لترجع عن معاندته ، فوعدها بأن يدفع لها مليوني ليرة كانا لأبيها على الدولة ، فرفضت قبول تلك الرشوة ، فقال لها جوزف بونابارت : قولي إذا ماذا تشتهين ؟ قالت : لا أشتهي شيئا وإن سيري هذا طبقا لما أعتقده ، وكانت تحب سكن باريس محبة شديدة وتخاف النفي منها جدا ولا تسرّ إلا بمعاشرة الأدباء محفوفة بأهل الفضل والأصدقاء ، وكان نابوليون بونابارت يعلم ذلك فلما رأى إصرارها على معاداته أبى إلا أن ينتقم منها ، فنفاها إلى مدينة سويسرا ، ولم يسمح لها بالاستبعاد عن منزلها أكثر من ميلين وحرمها من العودة إلى باريس فكان ذلك عليها مصيبة لا تطاق ، فقضت باقي أيامها حزينة على فراق باريس ، وتولّت تربية أولادها فكانت تعلمهم أكثر النهار ولم تنقطع عن ذلك في أشد أيامها حزنا وكآبة ، ولذلك كان أولادها يحبونها حبا عظيما ويخاطرون بأنفسهم دفاعا عنها ، كما روى ذلك كثير من المؤرخين المشهورين . وقد اشتهرت مدام روستايل بمحامد كثيرة ظهر بعضها فيما مر ، ونزيد عليه محبتها للحق والوقوف على حقائق الأمور ، ولذلك كانت تبذل جهدها في تعلم كل شيء ولومهما كلفها من المشقة ، وكانت تقول : جهل الناس للحق والحقائق أكبر دليل على انحطاطهم . وقالت عن بونابارت : إني علمت بانحطاطه منذ رأيته لا يهتم بحقائق الأمور . وكانت تحب الموسيقى وتلهو بها عن أشغال التأليف وتزيد السامعين طربا بحلاوة صوتها ، وكان لها ميل شديد إلى التشخيص وموهبة عظيمة فيه ، فكانت تعرف كل المراسح الأجنبية جيدا وتعلمت في كبرها اللغات التي فاتها تعلمها في صغرها ، ومن أقوالها : إن درس اصطلاحات اللغة أحسن المثقّفات للعقل وأسهل السبل لمعرفة أخلاق أهلها كما هي . وأعظم ما اشتهرت به كتبها التي بلغ عددها ثمانية عشر مجلدا في كل فن مستظرف حتى سموها : فولتير النساء لكثرة المباحث التي بحثت